عبد الملك الجويني

200

الشامل في أصول الدين

بإيجاد مقدوره ، واستحال اجتماع المقدورين لتضادهما ، فلم يبق إلا أن لا يوجد مقدور واحد منهما ، وذلك مستحيل ، إذ الاقتدار في الفعل الممكن يتضمن تجويز وقوعه ، إذا لم يكن القادر ممنوعا . وقد أوضحنا استحالة رجوع المنع إلى ذاتيهما أو إلى صفتيهما ، ولم يتحقق أيضا من أحدهما فعل فيقدر منعا للثاني . وكل أصل يترتب عليه امتناع وقوع المقدور من غير مانع ، فهو باطل من حيث أفضى إلى قلب الحقيقة . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن المقدور يمتنع وقوعه لمعنى جهلتموه ، ولم تحيطوا به علما ، ناقضوا الدلالة على استحالة ذلك أم جوزوه ، وتشككوا فيه . وهذا الذي ذكروه لا محصول له ، وذلك أن المنع لا يخلو : إما أن يرجع إلى ذات القديمين ، أو إلى فعل من أفعالهما ، أو إلى عدم . ويستحيل صرف المنع إلى العدم ، فإنه نفي محض ، وما كان نفيا محضا ، استحال أن يتعلق به اقتضاء ، ووضوح ذلك يغني عن بسط القول فيه . فإن قيل : أليس عدم الحياة يمنع وجود العلم وهو نفي محض ؟ قلنا : ليس الأمر كذلك . فإن المانع عندنا من ثبوت العلم الموت ، فإنه مضاد للعلم . فرجع المنع إلى وجود إذا على ما سنوضحه ، إن شاء اللّه في « كتاب العلل » . ثم نقول : لو توهم متوهم ما قلتموه ، لما كان فيه ، كالقدح في مقصودنا . فإن الحياة شرط في ثبوت العلم ، فنظير ذلك أن يتحقق لمقدور أحد القديمين شرط ثم يعدم فيمتنع لعدم المشروط . ولا سبيل إلى تقدير شرط في مقدور أحدهما بعدم عند تقدير الثاني ، فإن وجود أحدهما لا يؤثر في تغيير أحكام الثاني أصلا ، فاندفع السؤال . فإذا استحال أن يكون المانع عدما ، لم يبق إلا قسمان : أحدهما : أن يقدّر من أحدهما أو من كل واحد منهما فعل هو منع للثاني ، وهذا مستحيل . فإن ذلك الفعل لا يخلو : إما أن يكون مضادا لمقدور الثاني ومراده ، أو لا يكون مضادا له . فإن لم يكن مضادا له ، استحال أن يكون ممتنعا منه ، فإنه يجوز في العقل تقدير ثبوتهما معا ، وبطل أن يكون أحدهما منعا للثاني . وإن كان ذلك الفعل المقدر ضد المراد أحد القديمين ، فمن حكم المضادة أن تثبت بين شيئين ولا يتخصص بها أحد الطرفين ، بل يضاد كل واحد منهما الثاني ، ويستحيل أن يضاد الشيء ما لا يضاده . فإذا وضح ذلك ، فقد عاد ترتيب الكلام إلى ضدين يريد أحد القديمين أحدهما ، ويريد الثاني الثاني ، فينبغي أن لا يتم مقدور واحد منهما لما ذكرناه في صدر الدليل . فبطل إسناد منع المقدورين إلى فعل . ويستحيل أيضا رجوع المنع إلى ذاتي القديمين وصفاتهما لما ذكرناه أولا من أن الحكم الثابت للفرد الوحد لا يزول بثبوت آخر ، إذ لا اختصاص